عز الدين القسام

كبشانة الفداء

قبور بلا شواهد، وشهداء بلا وصايا، وموت منزوع من طقوسه الجنائزية، وحداد بلا مراثٍ ولا موثبات، غير آيات من سورة عمران تنبعث من حنجرة شيخ المنزول يوسف في كلّ يوم قبيل صلاة الفجر. والغنم تُركت وصوفها عليها كإشارة للزعل والحداد، وتذكر الحاجة كلثوم أن الرعيان الذين جزّوا صوف غنمهم قبل وقعة الشهداء تركوه منفولاً بلا غسيل، مفروكاً بالفحم ومعلّقاً على ألواح الصّبر المحيط بالبيوت.

حافظت السيلة الحارثية على إرث شهيدها أبو درّة، وعلى نهجه الثوري وعلى بيته وخنجره. خنجره ما زال موجوداً وتحتفظ به مسنةً تُكنّى بأم عطا. خيرية جرادات (أم عطا) لم تقابل أبو درّة بل ولدت بعد وفاته بعشر سنوات، لكنها حفظت أدواته ونهجهه جيداً؛ إذ تربطها علاقة وثيقة بالثوار، فكما حافظت على خنجر أبو درّة، أرادت أن تحيي اسم "عطا الزير" فسمّت ابنها الأول على اسمه.

لطالما كانت الجغرافيا عاملاً مهمًا في حسم الصراعات والحروب وكتابة الفصول الأخيرة لحركات التحرر على مدار التاريخ، فالأرض بطبيعتها وجغرافيتها هي مسرح الأحداث والصراعات ومُحددٌ أساسيٌ في طبيعة الحرب وتكتيكاتها ونتائجها. ويبدو ذلك واضحًا في مسار التاريخ الثوري في فلسطين، إذ كان للجغرافيا حضورٌ مهمٌ في سرد الوقائع ورواية تفاصيل المعارك وكيف انتصرت أو انهزمت تلك الثورة أو العصابة أو البطل الثائر.

ركض الناسُ على صوت الرصاص. تدخّلوا في المعركة، لم يسألوا لماذا وكيف. أبناء البلد في معركةٍ مع الفرنسيين، كلُّ شيءٍ إذن واضحٌ، وكلُ شيءٍ يصير حتى لو كان الخلاف على شيءٍ تافهٍ، أو كانت المعركة بين سكارى. الفرنسيّ المحتل هو عدوٌّ إذن، ومقاومة العدوّ واجبةٌ.

Subscribe to عز الدين القسام