نعيد نشر هذا النصّ الرهيف للشهيد العلّامة حسين مروّة، والذي يتجاوز زمانه ومكانه، يأخذنا فيه الشهيد مروّة إلى عالم الحزن الذي بإمكانه أن يبني تاريخاً ويهدم آخرَ؛ الحزن الذي بمكنته أن يكون سلاحاً ضدّنا يحمله العدوّ بوجهنا، أو سلاحاً نشحذه بوجهه.

 

مقدّمة

نعيد في “باب الواد” نشر هذا النصّ الرهيف للشهيد العلّامة حسين مروّة. وهو نصٌّ يتجاوز زمانه ومكانه، ويحمل رؤيةً وطنيةً حول اتجاه العاطفيّ ومنطلقاته في القضايا المحقّة. يأخذنا فيه الشهيد مروّة إلى عالم الحزن الذي بإمكانه أن يبني تاريخاً ويهدم آخرَ؛ الحزن الذي بمكنته أن يكون سلاحاً ضدّنا يحمله العدوّ بوجهنا، أو سلاحاً نشحذه بوجهه.

 

ملاحظة: نُشر هذا النصّ في صحيفة “النداء” البيروتيّة، بتاريخ 20-6-1982.

 

****

 

– «على الشاطىء لحظة المغيب، نرى الشمس والبحر يلتقيان عند الخط الوهميّ الذي يرسم نهاية أفق الرؤية.. هل هما يلتقيان؟”.

قال: «ماذا تريد أن تقول؟».

– «أريد، أوّلاً، أن تسجّل فداحة هذه الخدعة: نرى الشمس والبحر يلتقيان، على حين يستحيل أن يلتقيا.. وأريد، بعد هذا، أن تقيس على هذه المسألة مسألة ما نحن فيه..

«أنت حزين، لا شكّ، حزين لوطنك وشعبك وقضيتك؛ منذ امتداد الغزو الصهيوني -‏ الإمبريالي في شرايين التراب اللبناني… وذلك الفتى الذي كان الحديث عنه، هو أيضاً حزين للسبب نفسه، لكن، هل حزنك وحزنه يلتقيان؟ ..».

قال: « لم أفهم .. ».

– « أرجوك أن تفهم أنّ الشبه بين حزنك وحزنه خدعةٌ كخدعة الالتقاء بين الشمس والبحر.. ».

« لا شكّ أنّ كليهما اسمه الحزن.. لكنّ الاسم بذاته لا يعني شيئاً إذا كان المعنى مختلفاً بين الحزن والحزن بل متناقضاً».

****

عصر أمس زرته متفقّداً حاله، وأنا أعرف كيف ستكون حاله، أعرف كم ستكون صدمة الاحتلال الغاصب الغادر فاعلةً في كيانه.. لكن لم أتوقّع أن يبلغ أثر الصدمة ما رأيت من الانخذال والانهزام وفقدان التّوازن فكريّاً ونفسيّاً وجسديّاً.. رأيته «يهرطق» وطنيّاً ومبدئيّاً دون ضابط..

ليس الرجل جباناً، بل أعرف منه العكس، فهو شجاعٌ، وشجاعته مجرّبة، وليس الرجل ضعيف الوطنيّة، بل أعرف فيه صلابة الوطنيّة.. ووطنيّته أيضاً مجرّبةٌ.. لكن المسألة أن شجاعته ووطنيّته تقومان على أساسٍ فكريٍّ ليس بالمتين.. هذا أوّلاً. أما ثانياً، فالمسألة أنّ تجربته في حقل العمل الوطنيّ لم تخرج به عن دائرة العمل المكتبيّ، أيْ لم تصل به إلى حيث يرى الناس البسطاء كيف يمارسون وطنيّتهم على الطبيعة، عمليّاً، دون تكلّف، ولم تصل به -طبعاً- إلى حيث يمارس الوطنيّة بالطريقة التي هم بها يمارسون.

****

توّاً، فور وصولي، بدأته بالسؤال عن قريبه، «الفتى» المحارب في معارك الجنوب ضدّ الغزاة..

عرفت منه أن قريبه «الفتى» لا يزال في خطوط المعركة.. ثمّ سحب من على مكتبه صحيفةً ليريني صورة «الفتى» وهو قابض على سلاحه في مكمنٍ من على إحدى تلال الجنوب..

قال: « بلغني أنّه حزين، حزين جداً.. ».

– « تعني: كحزنك هذا الذي أرى؟.. ».

فقال: « لا فرق.. الحزن هو الحزن..».

– « ما أبعد المسافة بين البحر والشمس.. وما أبعد المسافة بين الحزن هذا.. والحزن ذلك! .. ».

قال « من أين تعرف؟ .. ».

– « هل حالك التي أرى من الانخذال والانهزام وفقدان التوازن.. و«الهرطقة» الوطنيّة والمبدئية.. هل حالك هذه تشبه حال «الفتى» المتشبّث -لا يزال- بموقعه من المعركة رغم امتداد الاحتلال الغامر الغادر، ولا يزال قابضاً على سلاحه فوق الصخرة، وعيناه تجولان، كعيني نسر، في كّل جهات الأفق المحدق به كما يحدق به الخطر من كلّ جهاته؟.. ».

قال « الحزن هو الحزن.. ».

– « لا.. هذا يشبه القول الشمس هي البحر أو البحر هو الشمس.. ».

****

– «الفرق يا صديقي:

أنّ حزنك هو الحزن القاتل، إنّه يقتلك أوّلاً، وإنّه -أوّلاً وآخراً- قاتلٌ من القتلة في صفّ العدو.. إنّه يوجه الرصاص، نفسيّاً ومعنويّاً، إلينا في معركة الصمود التي هي الآن عماد معركتنا الوطنيّة-القوميّة-الديمقراطيّة كلّها.

وأنّ حزن «الفتى» في مكانه من المعركة ذاتها، هو الحزن المُقاتل.. إنّه الحزن المقدّس، إنّه «الحقد الشريف».. إنّه الشكل الأجمل والأنبل للحزن العظيم.. ».

«النداء» 20-6-1982