توظيفات السعادة في مكافحة التمرّد

28-12-2018
-A A +A

تلخيص وترجمة: آيات عفيفي

توطئة:

تقدّم لنا آيات عفيفي ترجمةً ملخّصةً لدراسةٍ، للباحثة "لاله خليلي"، بعنوان "توظيفات السعادة في مكافحة التمرّد"، كانت قد نشرت في عام 2014، وتستعرض أهمّ ما جاء في فصولها. تتناول الدراسة توظيف المشاعر، خاصةً السعادة، في تكتيكات مكافحة التمرّد وحرب العصابات، وتقييم نتائجها، من خلال استدخال الثقافة والمعرفة الحيّة والبداهة في الممارسات الاستعماريّة، انطلاقاً من وعي مكافحي التمّرد بأهمية فهم واختراق المجتمع المقابل من أجل تحقيق الأهداف المرجوّة من مكافحة التمرّد. تناقش الدراسة مفهوم الحميميّة الاستعماريّة، والممارسات والأدوات الاستعمارية المتعلّقة بتوظيف مشاعر السعادة والعاطفة، وتحلّلها استناداً إلى كتابات ومذكّرات بعض حركات التحرّر، ووثائق رسميّة للجيش الأميركي. كما تقارب الكاتبة بين الممارسات الأمريكية الحديثة في مكافحة التمرّد والخطابات الاستعماريّة التقليديّة كالخطاب البريطاني، وتدرس كيفية توظيف اللغة العاطفية في طمس علاقات القوّة بين الشعوب المستعمِرة والمستعمَرة.

للاطّلاع على النصّ الأصلي من هنا

****

يبدأ الفصل المعنون "دعم مكافحة التمرّد" من دليل الجيش الأمريكي ومشاة البحرية، بكتابةٍ لـ"روبرت تومبسون"، [1] ­ينتقد فيها خبراء الحروب لاعتمادهم التامّ على الأرقام والإحصاءات، مُعتبِراً أنّ تطوُّر ذكاء الشعوب وانحسار عدد المتمردين في أوساطها أفضلُ مؤشرَيْن على نجاح عمليات مكافحة التمرّد. يدّعي "تومبسون" إمكانية معرفة الكثير عبْرَ ملاحظة تغييرات تعابير السكّان المحليين من وجوهٍ عابسةٍ، مستسلمةٍ، لامباليةٍ، إلى ترحيبٍ سعيدٍ وحارٍّ في غضون ستة أشهرٍ أو سنةٍ، كونهم ببساطة يعلمون مَنْ الفائز، (The people know who is winning).

تتناول هذه الدراسة استخدامات السعادة والتجهّم - العاطفة- طريقةً لقياس نجاح مكافحة التمرّد الليبرالية؛ إذ استخدم الليبراليون العاطفةَ وسيلةً لقياس نجاحهم في تطوير، أو تحرير، أو غرس "الديمقراطية" في الشعوب الأُخرى.

الأطروحة: تصوير استخدامات السعادة في مكافحة التمرّد، خاصةً على صعيد قياس مدى نجاحها، وذلك عبر تحليل مفهوم العاطفة في محورين؛ أولُهما المفهومُ الاستعماريُّ للعاطفة الذي يرى ثمّة علاقةً بين السعادة أو التجهّم بصفة العِند لدى السكّان الأصليّين، إضافةً إلى كونهما أداتين لقياس نجاح مكافحة التمرّد. أما الآخر، فهو مفهومُ "مكافحة التمرّد"، وما هو إلا انعكاسٌ لفانتازيا نتجت من تداخل عدة مجالاتٍ تطبيقيةٍ؛ تتضمّن مجالاتٍ إداريّةً، ومركزيّة تكنولوجيّة عسكريّة، (Techno-centric)،  يتنصّل منها مكافحو التمرّد، [2] وتعكس على نحوٍّ ثابتٍ الشكلَ الثقافيَّ والإثنولوجيَّ للإدارة العسكرية، والتي بدورها تعكس منظور الإدارة الاستعمارية والإمبريالية، ومنطلقاً آخرَ منفعيّاً (Utilitarian)، وهو المسيطر حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية.

ما تسعى الكاتبة لإبرازِه، هنا، هو كيفية توظيف اللغة العاطفية في طمس علاقات القوّة بين الشعوب المستعمِرة والمستعمَرة، وإلغاء السياسة من حسابات الحروب. وما تنوي التأكيد عليه هو السبب الذي يجعل من العاطفة أداةً لمكافحة التمرّد والاستعمار.

وبينما أصبحت اللهجة الاستعمارية مألوفةً في عدّة سياقاتٍ، إذ يشير تصنيف الشعوب المُستَعمَرة إلى سكانٍ سعداء وآخرين متجهّمين حسب أماكن تواجدهم جغرافياً وانصياعهم الملموس لنُظم مكافحة التمرّد الاستعمارية، فإنّ أساس هذا العمل التخطيطي هو حالةٌ من العدائية في الحروب؛ الأمر الذي يصبح جليّاً عندما نتمكّن من استخدام أوصافٍ متضادّةٍ لشعبٍ واحدٍ؛ حيث يُوصف بالأليف، الحميم، الديمقراطي، خفيف الظل تارةً، والهمجي والغدّار طوراً.

كما يتمّ أيضاً، من خلال جندرة العلاقات الإمبريالية، فرضُ السعادة والحميمية بالقوة على السكان غير المتعاونين، إذ إنّ ثمّة عنصرين مشكّلين للمفهوم الأمريكي لمكافحة التمرّد عبْرَ هذه الحميمية الاستعمارية. ومن ضمن هذه المفاهيم ما يُوهِم الجندرة بأنّ العاطفة هي الوسيلةُ الألطفُ والأكثرُ "أنثويّةً" في فهم السكان المحليّين أو الشعوب المُستعمَرة، لتسعى الجندرة، بذلك، إلى تحويل المحليّ إلى شخصٍ مرئيٍّ وشرعيٍّ لأهدافٍ خاصةٍ بالإدارة الاستعمارية، لكنْ بطرقٍ إنسانيةٍ.

وأخيراً، تتمّ شرعنة ومأسسة العاطفة أو عدمها في السياقات الإمبريالية، وتحويلها من "شيءٍ" ليس له قيمةٌ إلى أحد الأسس القانونية التي تجرّم "غياب العاطفة"، حيث أصبح فرضاً على الشعوب الشعورُ بالولاء والحبّ إزاء الحكومة.

إنّ معظم التخصصات في الوقت الحالي تتفرّع إلى تخصصاتٍ أكثر تخصصاً تهدف إلى دراسة العاطفة، إذ تحوّل الأمر إلى دراساتٍ حقيقيةٍ وممنهجةٍ في علوم الاقتصاد، والعلوم النفسية والسياسات العامة وغيرها من الوثائق. وأصبح ما تنبأ به "فوكو" الآن حقيقياً؛ فأصبحت العاطفةُ محورَ الممارسات الحكومية.

العواطف العسكريّة

يرى المنظّمون والتطبيقيون أنّ مكافحة التمرّد على الطريقة الأمريكية، التي تتمحور حول السكان، هي حربٌ ذاتُ عنصرٍ تطويريٍّ، ويتحتّم إقناع المواطنين بقدرة مكافحة التمرّد على "حمايتهم" من "المُتمردين" بهدف التمكّن من قاعدتهم المدنية. وبهذا، ترتبط مكافحة التمرّد بالعلاقة بين الشعوب ومكافحي التمرّد، الذين هم على اتصالٍ دائمٍ وجهاً لوجه.

من المهم، هنا، ذكرُ كيفية "تأنيث" وجندرة الخطاب الحربي، مع تأكيدٍ على الإنسانية واستخدام التكتيكات الناعمة، وإبراز "الجنود المُفكّرين والوقورين"، عِوَضَاً عن "المحاربين والمقاتلين"، لتصميم عقيدة وممارسات الحرب. وهذا لسببين؛ أولاً، لإقناع المدنيين بعدم تخطي الحدود، وثانياً، لأنّ الحميمية والألفة في العمليات التكتيكية لمكافحة التمرّد والتوظيف العاطفي تكتيكاتٌ أساسيّةٌ في القتال، وفي التقييم أيضاً.

في عشرينيّات القرن الماضي، رأى الضابط البريطاني "تي إي لورنس"، المدعو "لورنس العرب"، أنّ هناك ثلاثة عناصرَ مهمةٍ لـ"حرب العصابات"، وهي: المعرفة المكانية، والمعرفة البيولوجية، والمعرفة النفسية. واستُخدمت نظرياته في السيطرة على العرب إبّان الحكم العثماني.

أتى "لورنس العرب" بفكرة القدرة على قراءة مزاج الناس وأهوائها، وقدّم العديد من التعليمات حول هندسة العواطف، وأهميتها في فهم "السلوك العربي"، مستنداً إلى تجربته في خلق صداقاتٍ مع الرجال العرب الذين قادهم في الحروب، والتي أتاحت له فرصة التعرف عليهم عن قربٍ. كما كتب النصائح والمشورات للمحاربين الجدد، ولا تزال كتاباته تُدرّس حتى هذا اليوم. 

حول فلسفة المشاعر وإدارتها، اقرأ/ي: عسكرة المشاعر في الجيوش الحديثة: معنى أن تكون جندياً (2)

العاطفة في إعلام الحرب

أصبحت القدرة الإمبريالية البريطانية، المنصَّبَة ذاتيّاً، في قراءة وفهم مزاج السكان المحليّين "أسطوريّةً"، من خلال إنتاجها الكثيف للقصص والروايات، والنصوص الرسمية وغير الرسمية، وغيرها التي خلَّفها مسؤولو المناطق المُستعمَرة. بالنسبة لهم، وفّرت المعرفة المحلية، لغويّاً وإثنوغرافيّاً، البياناتِ اللازمةَ لشرعنة الإدارة الإستعمارية، وتأهيل المستعمَرين "الغامضين" للخضوع لها، أو على الأقل خلق إمكانية "إدارتهم".

حرص الباحث الاستعماري وضابط الـ (CIA) الأمريكي، "إدوارد لانسديل"، خلال خدمته وعمله وبحثه في الفلبين وفيتنام، على ربط المشاعر بالدراسات الاجتماعية لفهم الناس المحليّين والانخراط بهم. تقول الكاتبة، وبالرغم من خدمته العسكرية الطويلة في سلاح الجو ومكتب الخدمات الاستراتيجية، إنّه كان، في النهاية، "رجل إعلانات" ينادي بمكافحة التمرّد عبر العلوم الاجتماعية العسكريّة. إنّ هذا الإصرار على القدرة على قراءة وقياس العاطفة وهدمها بالنسبة للقوات الأمريكية والفيتنامية لم يكن مختلفاً كثيراً عن النهج الاستعماري المتّبع في الإمبراطورية البريطانية.

إنّ الوسيلة المكررة لدى عددٍ من الباحثين الاستعماريين تتمثّل في مشاركة السكان في مأكلهم ومشربهم، فكان "لانسديل" قد شارك الفيتناميين في احتساء الحساء وتوزيع الحلوى على أطفالهم، كما نصح الجنرال "ديڤد بيتراوس"، عند توليه مسؤولية قوة المساعدة الأمنية الدولية في أفغانستان، باحتساء الشاي معهم. اتّبع "بيتراوس" الأسلوب ذاته، بلّ وأصدر دليلاً توجيهياً لمكافحة التمرّد يشمل أوامر على شاكلة: "اخلع نظارتك الشمسيّة، لا يمكن فهم المقابل إلّا من خلال التفاعل وجهاً لوجه … تحدث مع الناس،  اكسب ثقتهم، امض معهم وقتاً، الخ".

يقول "جريج مونتسوري"، [3] مُقتبِساً أحدَ كبار السكان (مختار)، إنّه لعقد اتفاقٍ، يجب احتساءُ ثلاثة فناجين من الشاي، 'فالأول لأنك غريبٌ، في الثاني تصبح صديقاً، أمّا في الثالث فتصبح فرداً من العائلة… ونحن مستعدون لبذل أرواحنا غداً للعائلة". من هنا، أصبح مصطلح "ثلاثة فناجين من الشاي" من المفاهيم العسكريّة التي تشير إلى ضرورة كسب ثقة المحليين.

المعرفة الكمّية والاجتماعية

إنّ التكتيكات والتقنيات العاطفية تُناقِضُ القياسات الكمّية المتّبعة في الولايات المتحدة الأمريكية في الحاضر والماضي. يأتي استخدام المنهج الكمّي من المنطلق الاقتصادي القائم على قياس وحصر أعداد الأموات والأسلحة وغيره. وتبيّن الدراسات الحديثة أن تكثيفَ استخدام السلاح وقتل المزيد من المدنيين يتمُ بهدف تحقيق الأرقام المطلوبة. في هذه الحالة، كان القتال قد خيضَ وجهاً لوجه، وهو ما تحدث عنه ضابط الجيش الأمريكي "جون فان"، والذي خدم في فيتنام، ردّاً على مجموعةٍ من مكافحي التمرّد الذين يستخدمون هذا "النهج الهمجيّ" لذبح الناس.

وبهدف الابتعاد عن ذاك النهج، تمّت الاستعاضةُ عن الطرق الإحصائية والرقمية في قياس نجاح عمليات مكافحة التمرّد بالطرق الاجتماعية والسياسية بعد الحروب من خلال الدراسات الاجتماعية. وفقاً لهذه الطريقة، يتمّ قياس التغيرات الطارئة على مستوى المناطق، والعمليات العسكرية للجيش الأمريكي، والمستوى المدني الأفغاني، بدلاً من حساب أعداد الأموات أو عدد العمليات العسكرية. يختلف هذا النهج- السوسيولوجي- في تفاصيله قليلاً عن نهج محاربي التمرّد، فمثلاً يرفض أحد منظّري مكافحة التمرّد اليوم، وأكثرهم تأثيراً، "ديفيد كيلكولين"، مصاحبةَ أطفال السكان المحليين والتقربَ منهم، إذ إنّهم قد يشكلون خطراً أكبرَ من المنفعة لديه.

معاني السعادة في مكافحة التمرّد

كما ذكرت الكاتبة آنفاً، فإنّ الفكر الخاص بمكافحة التمرّد أُنتج من اقتران "المركزيّة التكنولوجية" العسكريّة الأمريكية، وساديّة الخطاب الاستعماري، والحالة المهيمنة من السعادة النفعية، وهو أسلوبُ الحكومةِ السائدُ في عصر النيوليبرالية.

ما يميّز الإدارة الإمبريالية الأمريكية هو إصرارها على إمكانية استخدام القياس ونمذجة الواقع، إذ إنّ هذا الأسلوب يغطي الأسس الاستعمارية الحميمية الإمبريالية التي تعمل من خلال أمرين: الأول هو تليين وتلطيف خطاب مكافحة التمرّد، والتقاؤه مع الإنسانية العسكرية، وخلق "إمبراطورية عاطفية"،  والثاني عبْرَ توظيف المعرفة الإثنولوجية، والتي لطالما تمّ توظيفها في حروب القتال الأمريكية. 

كانت "مونتغومري ماكفيت"، إحدى منشئات نظام "التضاريس البشرية،" تُرفق علماء اجتماع، مع الجيوش، للتحدث مع السكان المحليين، وجمع المعلومات الإثنوجرافية عنهم، والمشاركة في التحقيقات أيضاً.

اقرأ/ي أيضاً: الدراسات الانثربولوجية للمؤسسات السرية (مادة مترجمة)            

وأخيراً، فإنّ استخدامات السعادة في مكافحة التمرّد تعكس التعريف المهيمن لها في الفكر النيوليبرالي. فعندما يفترض مكافحو التمرّد قدرتهم على قراءة وجوه الناس، وقياس مدى تأثيرهم من خلالها، فإنّهم يشيرون إلى أنّ أفعالهم ضروريةٌ لإبقاء الأُلفة مع المحليين. هذه العلاقات ليست بريئةً، إنما هي سياسيةٌ، حتى عندما يقدِّم مكافحو التمرّد أعمالَهم على أنّها تقنيةُ وتكتيكيةٌ لحلِّ مشكلة التمرّد.

إنّ الرغبة في مصاحبة الناس والتظاهر بفهمهم ما هي إلا طريقةٌ للتحكم بشخوصهم وأفعالهم وردات أفعالهم، فإذا أصبحوا أصدقاءَ مع المحتلّ، فهذا يعني أنّ الخيار قد وقع عليهم، وهم بالمقابل اختاروا أن يكونوا أشخاصاً متحضّرين، ويمكن للأمريكان عقدُ صفقاتِ عملٍ معهم.

وبهذا، فإنّ الصورة العاطفية للمواطنين والأطفال الأفغانييّن، مرحِّبين ومبتسمين للمحتل، هي ما يحتاجه مكافحُ التمرّد لإقناع شعبه أن نواياه ليست إمبرياليةً، إنّما إنسانيةٌ.

****

الهوامش:

[1] ضابط ومسؤولٌ استعماريٌّ بريطانيٌّ، عمل مستشاراً حربيّاً للولايات المتحدّة الأمريكية في حرب فيتنام.
[2] المركزيّة التكنولوجيّة: مصطلحٌ يدلُّ على نظامٍ قيميٍّ يتمحور حول التكنولوجيا.
[3] كاتبٌ أمريكي، وجنديٌّ سابق، له خطبة طويلة حول شرب الشاي مع القبائل الأفغانية و"النهوض" بها من خلال تثقيف بناتها.